أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

380

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والفصيح فتح همزتها ، وهي قراءة العامة . وقرأ السّلميّ بكسرها وهي لغة سليم . واختلف النحويون في « أَيَّانَ » هل هي بسيطة أم مركبة ؟ فذهب بعضهم إلى أن أصلها « أيّ أوان » فحذفت الهمزة على غير قياس ، ولم يعوض منها شيء ، وقلبت الواو ياء على غير قياس ، فاجتمع ثلاث ياءات ، فاستثقل ذلك فحذفت إحداهن ، وبنيت الكلمة على الفتح ، فصارت « أَيَّانَ » . واختلفوا فيها أيضا هل هي مشتقة أم لا ؟ فذهب أبو الفتح إلى أنها مشتقة من : أويت إليه ، لأن البعض آو إلى الكل ، والمعنى : أيّ وقت ، وأيّ فعل ؟ ووزنه « فعلان » ، أو « فعلان » بحسب اللغتين . ومنع أن يكون وزنه « فعّالا » مشتقة من « أين » ، لأن « أين » ظرف مكان ، و « أَيَّانَ » ظرف زمان » . و « مُرْساها » يجوز أن يكون اسم مصدر ، وأن يكون اسم زمان . قال الزمخشري : « مُرْساها » : إرساؤها ، أو وقت إرسائها ، أي « إثباتها وإقرارها » . قال الشيخ : « وتقديره : وقت إرسائها ليس بجيد ، لأن « أَيَّانَ » استفهام عن الزمان ، فلا يصح أن يكون خبرا عن الوقت إلّا بمجاز ، لأنه يكون التقدير : في أيّ وقت إرسائها » ؟ وهو كلام حسن ، ويقال : رسا يرسو : ثبت ، ولا يقال إلا في الشيء الثقيل ، نحو : رست السفينة ، ترسو وأرسيتها . قوله : « عِلْمُها » مصدر مضاف للمفعول ، والظرف خبره . وقوله : « فِي السَّماواتِ » يجوز فيها وجهان : أحدهما : أن تكون « فِي » بمعنى « على » ، أي : على أهل السماوات ، أو هي ثقيلة على نفس السماوات والأرض ، لانشقاق هذه ، وزلزال ذي . والثاني : أنها على بابها من الظرفية ، والمعنى : حصل ثقلها ، وهو شدتها ، أو المبالغة في إخفائها في هذين الظرفين . قوله : كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها هذه الجملة التشبيهية في محل نصب على الحال من مفعول « يَسْئَلُونَكَ » . وفي « عَنْها » وجهان : أحدهما : أنها متعلقة ب « يَسْئَلُونَكَ » ، و « كأنّك حفيّ معترض ، وصلتها محذوفة ، تقديره : حفيّ بها . وقال أبو البقاء : في الكلام تقديم وتأخير » . ولا حاجة إلى ذلك ، لأن هذه كلها متعلقات للفعل ، فإن قوله : « كَأَنَّكَ حَفِيٌّ » حال ، كما تقدم . والثاني : أن « عن » بمعنى الباء كما أن الباء بمعنى « عن » كقوله : فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً « 1 » ، وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ « 2 » ، لأن « حَفِيٌّ » لا يتعدى ب « عن » ، بل بالباء ، كقوله : كانَ بِي حَفِيًّا « 3 » ، أو يضمن معنى شيء يتعدى ب « عن » ، أي : كأنك كاشف بحفاوتك عنها . والحفيّ : المستقصى عن الشيء ، المهتبل به ، المعتني بأمره ، قال : 2373 - سؤال حفيّ عن أخيه ، كأنّه * بذكرته وسنان ، أو متواسن « 4 »

--> ( 1 ) سورة الفرقان ، آية ( 59 ) . ( 2 ) سورة الفرقان ، آية ( 25 ) . ( 3 ) سورة مريم ، آية ( 47 ) . ( 4 ) البيت للمعطل الهذلي ورواية الديوان : . . . الغني عن أخيه كأنه * . . . انظر ديوان الهذليين ( 3 / 45 ) ، والطبري ( 13 / 301 ) ، البحر ( 4 / 419 ) .